إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

لماذا اربعة اناجيل ؟؟؟؟

تقليص
هذا الموضوع مغلق.
X
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • #16
    مشاركة: لماذا اربعة اناجيل ؟؟؟؟

    ثالثا – خصائص الإنجيل والدليل الداخلي :


    1- الخطوط العريضة للهجوم والدفاع : لقد تعرض الدليل الخارجي للإنجيل الرابع للنقد، ولكن – قبل كل شئ – تقوم معارضة نسبة كتابة الإنجيل إلي يوحنا وحجيته التاريخية، علي أسس داخلية، فيشدد المعارضون علي التباين الواسع – والمعترف به – في الأسلوب والطبيعة والمنهج، بين الإنجيل الرابع والأناجيل الثلاثة الأولي، وعلي ما يزعمونه من صبغته الفلسفية (عقيدة الكلمة – "اللوجس") ، وعلي أخطاء ومتناقضات مزعومة، وعدم الاضطراد في القصة .. إلخ.

    أما الدفاع عن الإنجيل فيقوم عادة علي أساس إبراز أهداف الإنجيل المتنوعة، وتفنيدا لمبالغات في الاعتراضات السابق ذكرها، وإثبات أنه بطرق كثيرة، يكشف كاتب الإنجيل عن شخصية، وأنه هو الرسول يوحنا. فقد كان – علي سبيل المثال – يهودياً من سكان فلسطين ملما بطبوغرافية أورشليم .. إلخ، كما كان رسولاً، وشاهد عيان، " والتلميذ الذي كان يسوع يحبه" (يوحنا 13 : 23،20 : 2، 21 : 20و7)، والشهادة المسجلة فيه (21 : 24) من الذين عرفوا الكاتب إبان حياته، لهي شهادة بالغة القيمة في هذا المجال. وبدلاً من تتبع هذه الخطوط المعروفة (انظر في هذا الخصوص : جودت ولوتهاردت، وستكوت، أبوت، دراموند .. إلخ، في مؤلفاتهم السابق ذكرها). سيتجه بحثنا هنا إلي برهان علي أساس دراسة شاملة حديثة .

    2- افتراضات نقدية لا مبرر لها : إن دراسة كتابات يوحنا بصفة عامة، والإنجيل الرابع بصفة خاصة، قد طرقت بسبل متعددة، ومن وجهات نظر متنوعة. وأحدى أكثر هذه الطرق شيوعاً – في المؤلفات الحديثة – هي التي تزعم أن إنجيل يوحنا هو نتاج الفكر المسيحي حول الحقائق المذكورة في الأناجيل الأخرى ، وأن هذه الحقائق قد طورتها خبرة الكنيسة، فهي إذاً تعكس فكر الكنيسة في نهاية القرن الأول أو بداية القرن الثاني – فيفترضون أنه في ذلك الوقت – وقد أصبحت الكنيسة بصفة رئيسية كنيسة من الأمم – قد تأثرت كثيراً بالثقافة اليونانية الرومانية، حتي انعكس هذا علي تاريخها، وهكذا تحول تراثها الأصيل ليتلاءم مع البيئة الجديدة، ويزعمون أننا نرى في الإنجيل الرابع أبلغ عرض لنتائج هذه العملية. ويبدأ بيكون الموضوع بالرسول بولس وتأثيره، ويتابع ذلك حتى يصل إلي القول بقيام مدرسة من اللاهوتيين في أفسس هي التي أخرجت كتابات يوحنا، وأن فكر الكنيسة قد استراح لهذا العرض الجديد للمسيحية (انظر كتابه عن "الإنجيل الرابع بين البحث والحوار"). إن ما يراه هذا النوع من العلماء في الإنجيل الرابع، إنما هو أفكار هيلينية في صيغة عبرية، بعد أن تحولت حقائق الإنجيل لتكون مقبولة عند الفكر اليوناني.

    ويأتي آخرون إلي الإنجيل الرابع ولديهم افتراض مسبق بأن القصد منه هو أن يقدم للقارئ صورة مكتملة عن حياة يسوع، باستكمال وتصحيح أقوال الأناجيل الثلاثة الأخرى، وتقديم المسيح في صورة تشبع الاحتياجات الجديدة للكنيسة في بداية القرن الثاني، بينما يري آخرون هدفاً جدلياً في هذا الإنجيل، فمثلاً يرى فيه "ويزساكر" هدفاً جدلياً قوياً ضد اليهود، ويقول: "هناك الاعتراضات التي أثارها اليهود ضد الكنيسة بعد أن أكتمل انفصالها، وبعد أن مر تطور شخص مسيحها في أهم مراحله .." (العصر الرسولي جزء 2 – ص 222). ويتوقع المرء أن عبارة بمثل هذه القوة، يجب أن تستند إلي بعض البراهين وأن نجد بعض الأدلة التاريخية عن قيام جدال بين اليهود والكنيسة، غير ما يرونه في الإنجيل الرابع ذاته، ولكن ويزساكر لا يقدم شيئاً من ذلك ، سوى القول بأنها مواضيع جدلية بين مدارس فكرية مختلفة، وإنها بصورتها الراهنة ليست إلا مفارقات تاريخية. ولكننا نعرف من الحوار بين ستينوس الشهيد وتريفو اليهودي، الموضوعات التي تناولها الحوار بين اليهود والمسيحيين في منتصف القرن الثاني، ويكفي أن نقول إن هذه الموضوعات – كما يخبرنا يوستينوس – كانت تتعلق بصورة رئيسية بتفسير العهد القديم، وليست تلك الموضوعات التي يناقشها الإنجيل الرابع.

    ولعل أكثر الافتراضات إثارة للدهشة فيما يتعلق بالإنجيل الرابع، هي تلك التي تعتمد علي افتراض أن القصد من الإنجيل الرابع هو الدفاع عن تعليم مسيحي عن الأسرار كان قد ازدهر في بدء القرن الثاني. وطبقاً لهذا الافتراض، قد أرسي الإنجيل الرابع تعليماً عن الأسرار جعلها في موقع فريد كوسيلة للخلاص.
    ونحن لا نعلق كثيراً عن وجهة النظر هذه ، لأن التفسير الذى يرى تعليم الأسرار فى الإنجيل الرابع ، تفسير لا أساس له ، فهذا الإنجيل لا يضع الأسرار فى مقام المسيح ، كما يزعمون . وأخيراً ، فإننا لا نجد حجة مقبولة للذين يؤكدون أن الإنجيل الرابع كتب لجعل إنجيل يسوع أكثر قبولا عند الأمم ، والحقيقة هي أن إنجيل متى كان أكثر الأناجيل قبولاً عند الأمم ، فقد اقتبسوا منه واستشهدوا به أكثر من سائر الأناجيل . ففي كتابات الكنيسة الأولي ، اقتباسات من إنجيل متى تعادل كل الاقتباسات من باقي الأناجيل مجتمعة . ولم يبرز الإنجيل الرابع إلى المقدمة فى الكنيسة المسيحية إلا عندما ثار الجدل حول شخص المسيح ، فى القرن الثالث.

    3 - الهدف الحقيقي للإنجيل – والنتائج : عندما نعود إلى الإنجيل نفسه بحثاً عن الهدف منه، نجد الجواب بسيطاً واضحاً ، إذ يقول كاتب الإنجيل مؤكداً : "وآيات أخر كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه لم تكتب فى هذا الكتاب . وأما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله، ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه" (يو20 : 31و30) ، وإذا سرنا وراء هذا الدليل الواضح ، وطرحنا كل الافتراضات التى تزخر بها المقدمات والتفسيرات وتواريخ عصور الرسل وما بعدها ، لوجدنا الكثير من المفاجاءات :

    أ – علاقته بالأناجيل الثلاثة الأولي : هناك فروق كثيرة بين هذا الإنجيل والأناجيل الثلاثة الأخرى ، ولكن ما يثير الدهشة حقاً ، هو تلك الحقيقة ، أن نقاط الالتقاء بين هذه الأناجيل والإنجيل الرابع قليلة جداً . فبينما يقول جميع النقاد – الذين أشرنا إليهم سابقاً – إن الكاتب أو المدرسة التى جمعت كتابات يوحنا ، مدينة للأناجيل الثلاثة الأخرى بكل الحقائق الواردة فى الإنجيل الرابع تقريباً ، نجد أنه فيما عدا أحداث أسبوع الآلام ، لا توجد سوى نقطتين فقط من نقاط الالتقاء ، تظهران فيه بوضوح ، هما إشباع الخمسة الآلاف ، والمشي على البحر (يوحنا 6 : 4-21) . أما شفاء ابن خادم الملك (يو 4 : 46-53) فليس هو نفسه شفاء خادم قائد المئة (فى متى ولوقا) ، وحتى إذا افترضنا تطابق الحادثتين ، فيكون هذا هو كل ما عندنا فى الإنجيل الرابع عن أحداث خدمته فى الجليل ، ولكن هناك خدمته الأولي فى اليهودية وفى الجليل التى بدأت قبل أن يلقي يوحنا المعمدان فى السجن (يو3 : 24) وهو ما لا يوجد ما يقابله فى الأناجيل الثلاثة الأخرى . فلا يكرر نقل المعلومات التى يمكن جمعها من الثلاثة الأخرى ، بل يسير على نهج خاص به وينتقى من الأحداث ما يريد ، ويقدمها من وجهة النظر الخاصة للإنجيل ، كما أن له مبدأه الخاص فى هذا الانتقاء أو الاختيار ، وهو المبدأ الذى ذكره فى الفقرة التى سبق أن اقتبسناها . فالمشاهد التى يصورها والأعمال التى يحكى عنها ، والأقوال التى يرويها والتعليقات التى يقدمها الكاتب ، كل هذه موجهة نحو هدف مساعدة القراء على الإيمان بأن يسوع المسيح هو ابن الله ، كما أن الكاتب يقرر أن نتيجة هذا الإيمان هى أن تكون لهم حياة باسمه.

    ب – الزمن الذى يغطيه الإنجيل : وعلينا – استرشاداً بالمبدأ الذى ذكرناه – أن نعود للإنجيل ، وأول شيئ يستلفت نظر القارئ هو الزمن القصير الذى تغطيه أو تشغله المشاهد التى يصفها الإنجيل . ولنأخذ ليلة تسليمه ويوم الصلب ، فنجد أن الأمور التى حدثت والأقوال التى قيلت فى ذلك اليوم – من غروب الشمس إلى غروبها (أى يوم كامل) – لا تشغل أقل من سبعة أصحاحات من الإنجيل (من 13-19) . وعلاوة على الأصحاح التكميلي (الأصحاح الحادى والعشرين) ، هناك عشرون أصحاحاً فى الإنجيل تحتوى على 797عدداً ، وهذه الأصحاحات السبعة تحتوى على 257عدداً ، أى أن أكثر من ثلث الإنجيل كله تستغرقه أحداث يوم واحد.

    ونعلم مما جاء فى سفر الأعمال ( 1: 3) أن الرب المقام ظل يظهر للتلاميذ مدة أربعين يوماً، ولكن يوحنا لا يسجل كل ما حدث فى أثناء هذه الأيام، بل يسجل فقط ما حدث يوم القيامة ، وما حدث فى يوم آخر بعد ذلك بثمانية أيام ( الأصحاح العشرون) ، أما الأحداث التى سجلت فى الأناجيل الأخرى، فتتوارى كقضية مسلم بها، ولا يسجل سوى الآيات التى حدثت فى هذين اليومين، وهو يسجلها لأن لها أهمية خاصة بالنسبة للهدف الذى كان أمامه، وهو أن يؤمنوا بحقيقة أن يسوع هو المسيح ابن الله. وإن سرنا فى أثر الدليل المقدم لنا فى الإنجيل، فإننا نندهش لقلة الأيام التى تم فيها أى شئ. وعندما نقرأ قصة الإنجيل الرابع نجد كثيراً من الإشارات عن مرور الوقت، وعبارات كثيرة دقيقة عن التواريخ، ونعلم من الإنجيل أن خدمة يسوع قد استغرقت – على الأرجح – ثلاث سنوات، ونستنتج هذا من عدد الأعياد التى حضرها فى أورشليم ، كما أن لدينا بعض ملحوظات عن الوقت الذى قضاه فى السفرات، ولكن ليس لدينا معلومات عما حدث فى أثنائها ، وقلما تذكر الأيام التى حدث فيها أي شئ، أو قيل فيها أي حديث. ولكنه يذكر لنا بكل دقة أنه: " قبل الفصح بستة أيام أتى يسوع إلى بيت عنيا حيث كان لعازر" ( يو12: 1)، وبالنظر إلى هذه الأيام الستة لا يحدثنا إلا عن العشاء وعن حادثة دهن مريم لقدمي يسوع بالطيب، والدخول إلى أورشليم وزيارة اليونانيين، وعن وقع هذه الزيارة عند يسوع . كما أننا نرى ما انطبع فى فكر البشير عن عدم إيمان اليهود ، ولكنا لا نعرف ما هو أكثر من ذلك . ونحن نعلم أن أموراً كثيرة جداً قد حدثت فى تلك الأيام ، ولكنها لم تسجل فى هذا الإنجيل . ولم يسجل لنا شيئاً عن اليومين اللذين مكثهما فى الموضع الذى كان فيه عندما بلغه خبر مرض لعازر ، وقصة إقامة لعازر هى قصة يوم واحد (الأصحاح الحادى عشر). والأمر كذلك أيضاً مع قصة شفاء الأعمى ، فقد تم الشفاء فى يوم ما ، وما ثار من جدل حول أهمية ذلك الشفاء ، هو كل ما سجله عن يوم آخر (الأصحاح التاسع) . وما يسجله فى الأصحاح العاشر هو قصة يومين . وقصة الأصحاحين السابع والثامن – ويقطعهما الحاد4 العرضي عن المرأة التى أمسكت فى ذات الفعل – هى قصة لا تستغرق أكثر من يومين . وقصة إطعام الخمسة الآلاف والحديث الذى أعقبها (الأصحاح السادس) هى قصة يومين أيضاً . وليس من الضروري الدخول فى تفصيلات أكثر ، ومع هذا فإن الكاتب – كما لاحظنا - دقيق جداً فى ملحوظاته عن الوقت ، فهو يلاحظ الأيام ، وعدد الأيام التى يتم فيها عمل ما ، أو التى قيل فيها حديث ما . ونحن نذكر هذه الملحوظات التى قد تكون جلية أمام كل قارئ يهتم بها ، نذكرها أساساً بهدف إثبات أن الإنجيل – بكل وضوح وجلاء – لا يقصد ولم يقصد مطلقاً أن يقدم قصة كاملة عن حياة المسيح وأعماله . وهو يقدم لنا – على أكثر تقدير – معلومات عن عشرين يوماً من بين أكثر من ألف يوم هى مدة خدمة الرب . وهذا وحده كاف لنقض فكرة الذين يتناولون الإنجيل الرابع ، كما لو كان مقصوداً منه أن يحذف أو يكمل أو يصحح الروايات المذكورة فى الأناجيل الثلاثة الأخرى ، فواضح تماماً أن هذا الإنجيل لم يكتب لهذا الغرض .

    ج-سجل شخصي : يذكر الإنجيل بكل وضوح أنه استرجاع لذكريات الماضي ، لشخص كانت له صلة شخصية بالخدمة التى يصفها ، فالنغمة الشخصية واضحة فى الإنجيل من بدايته إلى نهايته ، فهي موجودة حتى فى المقدمة لأنه فى الآية التى يعلن فيها الحقيقة العظمى عن التجسد ، يستخدم الصيغة الشخصية "رأينا (نحن) مجده" (يو 1 : 14) ، ويمكن اعتبار هذا الفكرة الأساسية للإنجيل كله . وفى كل المشاهد الواردة فى الإنجيل يعتقد الكاتب أن فى جميعها أظهر يسوع مجده وعمَّق إيمان تلاميذه . فلو سألنا يوحنا : متى عاين مجد الكلمة المتجسد ؟ لكان جوابه : فى كل المشاهد الموصوفة فى الإنجيل . فإذا قرأنا الإنجيل من وجهة النظر هذه ، نجد أن الكاتب كان له مفهوم عن مجد "الكلمة" المتجسد يختلف تماماً عن المفهوم الذى ينسبه إليه النقاد . إنه يرى مجد "الكلمة" فى حقيقة أنه "تعب" من السفر (يو4 : 6) ، وفى أنه صنع من التفل طيناً وطلي به عيني الأعمى (يو9 : 6) ، وفى أنه بكى عند قبر لعازر (يو 11 : 35)، وفى أنه انزعج فى نفسه (يو 11 : 38) ، وأنه يمكنه أن يكتئب ويحزن حزناً لا يعبر عنه كما حدث بعد مقابلته لليونانيين (يو12 : 27) . لذلك فهو يسجل كل هذه الأشياء ، لأنه يعتقد أنها متناغمة مع مجد الكلمة المتجسد . إن التفسير السليم لا يمكن أن يتجاهل هذه الأمور ، بل يجب أن يعتبرها جزءاً من مجد الكلمة المعلن.

    فالإنجيل إذاً بكل وضوح هو ذكريات شاهد عيان ، ذكريات شخص كان موجوداً بنفسه فى كل المشاهد التى يصفها ، ولا شك أن هذه الذكريات كثيراً ما كانت تجعله يتأمل فى معنى ودلالة ما يصفه ، فكثيراً ما كان يتوقف ليقول كيف أن التلاميذ – وهو واحد منهم – لم يفهموا فى ذلك الوقت معنى بعض الأقوال ، أو دلالة بعض الأعمال التى عملها يسوع (يو 2 : 22 ، 12 : 16.. إلخ) . وفى بعض الأحيان لا نكاد نميز بين كلمات السيد وبين تعليقات يوحنا ، ولكننا أيضاً كثيراُ ما نقابل نفس الظاهرة فى الكتابات الأخرى ، ففى الرسالة إلى أهل غلاطية ، مثلاً يكتب بولس عما واجه به بطرس فى أنطاكية : "… إن كنت وأنت يهودى تعيش أممياً لا يهودياً فلماذا تلزم الأمم أن يتهودوا" (غل 2 : 14) ، وبعدها بقليل ينتقل إلى التعليق على الموقف . ويستحيل علينا أن نحدد أين ينتهى الحديث المباشر ، ومتى يبدأ التعليق . وهكذا الأمر فى الإنجيل الرابع ، ففي الكثير من الحالات ، يستحيل علينا أن نقول أين تنتهى كلمات يسوع وأين تبدأ تعليقات الكاتب . وهذا ما نراه – على سبيل المثال – فى الحديث عن شهادة المعمدان فى الأصحاح الثالث . فلعل كلمات المعمدان تنتهى بالعبارة : "ينبغـى أن ذلك يزيـد وأنـي أنا أنقص" (يو 3 : 30) ، أما ما بعدها فقد يكون تعليق الكاتب على الموضوع .

    د – ذكريات شاهد عيان : "هكذا نجد أن الإنجيل هو ذكريات شاهد عيان للأحداث الماضية مع انطباعاته عن معنى ما مر به من اختبارات . لقد كان موجوداً فى المشاهد التى يصفها . لقد كان موجوداً فى دار رئيس الكهنة" ، وكان حاضراً عند الصليب ويشهد بحقيقة موت يسوع (يو 18 : 15 ، 19 : 35) . وإذ نقرأ الإنجيل نلاحظ مقدار التأكيد الذى يضعه على كلمة "يشهد" ومشتقاتها ، فهو يستخدم هذه الكلمة كثيراً (يو 1 : 19و8و7 ، 3 : 33و26و11 ، 5 : 31 ، 12 : 17 ، 21 : 24 … إلخ) ، وهو يستخدمها هكذا لتأكيد الحقائق التى عاينها . وفى هذه الشهادات نجد ربطاً غير عادي بين فكر رفيع وقوة ملاحظة دقيقة . ففى وقت واحد ، يحلق البشير عالياً من عالم روحى ويتحرك فى يسر وسهولة بين أثمن وأسمى عناصر الاختبار الروحي ، مستخدماً كلمات عادية ، ولكنه يضمنها أعمق المعاني عن الإنسان والعالم ، مما لم يخطر من قبل فى فكر إنسان . وتجتمع فى كتاباته العجيبة أسمى درجات التصوف مع الإدراك العملي المفتوح العينين . وفوق كل شيء تدهشنا روعة إحساسه بالقيمة العظمي للجانب التاريخي ، فكل معانيه الروحية لها أساس تاريخي ، وهذا واضح فى رسالته الأولي وضوحه فى الإنجيل ، حيث نراه رائعاً جلياً . وبينما كان اهتمامه الأصيل أن يشد انتباه قارئيه إلى يسوع وعمله وكلمته ، فإنه – دون قصد – سجل تاريخ حياته الروحية ، وشيئاً فشيئاً ونحن نطالع الإنجيل مندمجين فى روحه ، نجد أننا نسير فى موكب نهضة روحية عظيمة ونتابع نمو الإيمان والمحبة فى حياة الكاتب ، إلى أن تصبح هذه هى النغمة السائدة فى حياته كلها . فمن ناحية نجد أن الكتاب رؤية موضوعية عظيمة عن حياة فريدة ، وقصة إعلان ابن الله لشخصه، وإعلان الآب فى يسوع المسيح ، إلى أن تصل إلى غايتها عبر التطورات المتضاربة من الإيمان والشك عند الذين قبلوه وعند الذين رفضوه . ومن الناحية الأخرى نجد فيه عنصراً ذاتياً فى قلب الكاتب ، حيث يخبرنا كيف بدأ الإيمان وكيف نما وتقدم حتى وصل إلى معرفة ابن الله . إننا نستطيع أن نستجلي الأزمات المتنوعة التى اجتاز فيها ، والتى عن طريقها – وهو يجتازها على التوالي – حصل على اليقين الذى يعبر عنه بمثل هذا الهدوء ، فهي التى أمدته بالمفتاح الذى به استطاع أن يكشف عن سر اعلانات يسوع للعالم . إن انتصار الإيمان الذى يرسمه لنا ، قد اختبره فى داخل نفسه أولاً ، وهو ما تتضمنه تلك العبارة الرائعة ذات الدلالة العميقة : "رأينا مجده" (يو 1 : 14).

    هـ – إيضاح لذكريات الماضي : ويتأكد الإنجيل تأكيداً قاطعاً ، بالتأمل فى طبيعة "التذكر" بوجه عام ، فالقاعدة العامة للتذكر هى أننا عندما نتذكر شيئاً ما أو حادثاً ما ، فإننا نتذكره بكل كلياته مع كل الملابسات المصاحبة له ، وعندما نخبر الآخرين به ، فعلينا أن نختار ما يلزم لتوضيح المعنى الذى نريده . والطبائع غير الفنية ليس لها القدرة على الاختيار ، بل تصب كل ما يخطر على البال (كما يقول شكسبير) . إن أروع خصائص التذكر نجدها بوفرة فى الإنجيل الرابع ، وهى تقدم لنا برهاناً قائماً بذاته على أنه بقلم شاهد عيان . ولا يتسع المجال أمامنا هنا إلا لذكر أمثلة قليلة . لاحظ أولاً تلك الملحوظات الدقيقة عن الوقت فى الأصحاح الأول ، والملحوظات الخاصة عن كل شخصية من التلاميذ الستة الذين قابلهم يسوع فى الأيام الأربعة الأولي من خدمته . ولاحظ الصورة التى يسجلها من أن نثنائيل كان تحت التينة (1 : 50) ، ثم ملحوظة وجود أجران الماء الستة فى قانا الجليل حسب عادة اليهود فى التطهير (يو 2 : 6) . ويمكن أن نشير فى هذا الخصوص إلى الملحوظات الجغرافية التى وردت كثيراً فى سياق القصة ، والتى تبين معرفة وثيقة بفلسطين ، وإلى الإشارات العديدة للنواميس والعادات والمعتقدات والاحتفالات الدينية اليهودية ، والتى يعترف الجميع الآن أنها تدل على دقة الكاتب وتصويره الرائع للأحداث . إن هدفنا الرئيسي هو أن نسترعى الانتباه إلى تلك الأمور العرضية التى ليست لها أهمية رمزية ، ولكنها سجلت لأنها من الملابسات التى تداعت فى الفكر عند تذكر الحادث الرئيسي . وهو يرى أيضاً "الغلام" صاحب الأرغفة الخمسة من الشعير والسمكتين (يو 6 : 9) ، ويتذكر أن مريم جلست فى البيت بينما هرعت مرثا لتقابل الرب عندما اقترب من بيت عنيا (يو 11 : 20) ، ويذكر لعازر وهو يخرج مربوط اليدين والرجلين بأكفان القبر (11 : 44) ، وترتسم أمامه صورة حية لحادثة غسل أرجل التلاميذ (13 : 1-5) ، وكذلك التصرفات والأقوال التى صدرت عن التلاميذ فى تلك الليلة المليئة بالأحداث . وهو مازال يرى مسلك الجند الذين جاءوا للقبض على يسوع (18 : 3-8) ، ويتذكر سيف بطرس وهو يلمع فى الظلام (18 : 10) ، ومشاركة نيقوديموس فى دفن يسوع ، وأنواع وأوزان الحنوط التى أحضرها لتحنيط الجسد ( 19 : 38-40) . ويتحدث عن العناية الواضحة فى طي الثياب الكتانية ، وكيف كانت موضوعة فى القبر الفارغ (20 : 4-8) . هذه بعض اللمسات الحية فى هذه الذكريات ، والتى لا يستطيع أن يذكرها بهذه الدقة والروعة إلا شاهد عيان ، وإذ يلقى البشير نظرة إلى الوراء ، يذكر المشاهد المتنوعة ، وكلمات السيد بكل كمالها كما حدثت ، ويختار تلك اللمسات الحية التى تحمل علامة الصدق لكل القراء.

    و – نتائج : هذه اللمسات من الواقع الحى تبرر القول بأن كاتب هذا الإنجيل يصور المشاهد من واقع الحياة ، وليس من خياله . وهو إذ يلقي نظرة على تاريخه الروحي الشخصي ، يتذكر بصورة خاصة تلك الكلمات والأعمال التى قام بها المسيح والتى حددت مسار حياته الخاصة وقادته إلى يقين الإيمان الكامل ومعرفة ابن الله . ويمكن فهم الإنجيل من وجهة النظر هذه ، ويبدو لنا أنه لا يمكن فهمه عن أى طريق آخر دون تجاهل كل الظواهر التى أشرنا اليها على سبيل المثال . وعندما ننظر إلى الإنجيل من وجهة النظر هذه ، نستطيع إهمال الكثير من المناقشات المستفيضة حول احتمال تغير موضع بعض الأصحاحات (كما يزعم سبيتا وآخرون) . وعلى سبيل المثال ، لقد ذُكر الكثير عن الانتقال الفجائي فى المشهد من الجليل إلى اليهودية عندما ننتقل من الأصحاح الرابع إلى الأصحاح الخامس ، والانتقال الفجائي المماثل فى العودة إلى الجليل (يو 6 : 1) ، وقد وضع الكثير من المقترحات ، ولكنها كلها تنبع من افتراض أن تذكر الأحداث الماضية يجب أن يكون متصلاً ، وهو غير الواقع . وبينما يحتمل جداً أنه كان هناك تتابع فى ذهن الكاتب ، ولكن هذا لا يضطرنا إلى التفكير فى تغير موضع بعض الأصحاحات ، وإذ نأخذها كما هى فى الإنجيل، فإن الأدلة المختارة – سواء حدثت فى اليهودية أو فى الجليل – تشير فى كل الأحوال إلى نوع من التقدم . وهى – من ناحية – تعبَّر عن مجد يسوع الظاهر ، ومن الناحية الأخرى ، عن نمو الإيمان وتطور عدم الإيمان . وهذا يفتح أمامنا مجالاً جديداً للاعتراض والتساؤل ، وهو ما سنتناوله الآن :
    ولكن ان كان انجيلنا مكتوما فانما هو مكتوم في الهالكين -
    الذين فيهم اله هذا الدهر قد اعمى اذهان غير المؤمنين
    لئلا تضيء لهم انارة انجيل مجد المسيح الذي هو صورة الله .
    (2 كورنثوس 4: 3 - 4)
    للمراسلة
    sayNewMan@yahoo.com
    المدونة
    http://www.newman-in-christ.blgospot.com

    تعليق


    • #17
      مشاركة: لماذا اربعة اناجيل ؟؟؟؟

      رابعاً – التقدم والتطور فى الإنجيل : إن الاعتراض الرئيسي الذى يتردد بإلحاح ضد وجهة النظر القائلة بنسبة الإنجيل الرابع إلى الرسول يوحنا ، هو أنه ليس به أى تقدم أو تطور أو نقطة تحول أو أى شيء يعادل فى أهميته – مثلا – اعتراف الرسول بطرس فى قيصرية فيلبس (مت 16 : 13-17) . كما أنهم يزعمون أن هذا ينطبق أيضا على شخصية يسوع ، حيث يبدأ الإنجيل بعقيدة اللاجوس "الكلمة" ثم لا يحدث فيها أى تقدم من البداية إلى النهاية ، وكذلك فيما يتعلق بموقف التلاميذ ، إذ يزعمون أنهم يبدون فى هذا الإنجيل على نفس الدرجة من الإيمان بأن يسوع هو المسيح ، من البداية إلى النهاية . ولكن الحقيقة على العكس من ذلك تماماً ، فكلما تقدمنا فى الإنجيل – كما سبق أن قلنا – نجد مجد الرب يظهر بصورة متزايدة باستمرار ، وأن التلاميذ يتقدمون إلى إيمان أعمق ، كما أن عدم إيمان الذين يرفضونه، يزداد وضوحاً ورسوخاً إلى أن يصبح رفضاً مطلقاً . والمتأمل الدقيق المتأني يرى ذلك بكل جلاء.

      1-صورة يسوع فى الإنجيل : ويتخذ الاعتراض على الصورة التى يرسمها هذا الإنجيل ليسوع ، أشكالاً متنوعة ، يحسن أن ندرس كلاً منها على حدة :

      أ – الغياب المزعوم للتقدم فى شخصية يسوع : فأول كل شيئ ، يؤكدون أنه لا يوجد فى الإنجيل الرابع أى تقدم فى شخصية يسوع ، كما لا يوجد شيئ من الإشارات التى نجدها فى الأناجيل الثلاثة الأولي عن الأفاق التى تتسع باستمرار ، ولا إشارة إلى أن معنى وغرض وغاية دعوته كانت تزداد وضوحاً بمرور الأيام . وهناك إجابتان على هذا الزعم : الأولي هى أنه فى سلسلة من المشاهد من حياة يسوع منتقاة للهدف المحدد المذكور فى الإنجيل ، لا يلزم أن نطلب تاريخاً متصلاً لخدمته ، فقد تم اختيار تلك المشاهد بكل دقة لبيان حدة بصيرته النفاذة إلى أعماق الطبيعة البشرية ودوافعها ، وقوته على الشفاء إشفاقاً على الناس ، وسيطرته على الطبيعة ، وسلطانه المطلق على الناس وعلى العالم . والأمر الثاني هو أنه حتى فى الإنجيل الرابع توجد إشارات إلى نقطة تحوُّل فى خدمة الرب يسوع حين أعلن المعنى الكامل لخدمته (على سبيل المثال ، عند زيارة اليونانيين فى الأصحاح الثاني عشر ) . وسوف نرى فيما بعد أنه ليس صحيحاً أننا نجد فى هذا الإنجيل ، ولا فى الأناجيل الثلاثة الأخرى أيضاً ، أن يسوع قدم نفسه علانية على أنه المسيا ، منذ البداية.

      ب – استقلال يسوع المزعوم : وشبيه بما سبق ، الاعتراض على تاريخية الإنجيل لأنه يقدم يسوع دائما على أنه يوجه مسار حياته بنفسه ، متعاليا على الناس ، ورافضا أن يتأثر بهم ، ويعتقدون أن هذا نتيجة سيطرة فكرة اللوجوس فى مقدمة الإنجيل . والرد على هذا هو أنه لا يوجد فى الحقيقة أى اختلاف جوهرى بين موقف يسوع فى هذه الناحية فى الأناجيل الثلاثة الأخرى ، وإنجيل يوحنا ، ففيها جميعها يتصرف بسلطان . فهو يستطيع أن يقول فى الأناجيل الثلاثة الأولي "أما أنا فأقول لكم" (مت 5 : 32و28و22 …إلخ) ، وفيها أيضاً يعلن أنه معلم الحق المطلق ، والمخلص ، وصاحب السلطان ، والديان لجميع الناس . وفى هذا الخصوص لا يوجد أى شيئ جديد من هذه الناحية فى الإنجيل الرابع . حقيقة أنه قال : "ليس أحد يأتى إلى الآب إلا بي" (يو 14 : 6) ، ولكنه قال أيضاً : "تعالوا إلي … وأنا أريحكم" (مت 11 : 28). وهكذا نجد أن دعوى السلطان على الناس ، قائمة فى كل الأناجيل . كما نرى أيضا فيها جميعها ، يسوع يقدم الولاء والخضوع والطاعة للآب ، وليس الإنجيل الرابع بأقلها فى ذلك ، بل بالحري أكثرها وضوحاً : "لأن أبي أعظم منى" (يو 14 : 28) ، والأقوال التى ينطق بها هى أقوال الآب ، والأعمال التى يعملها هى أعمال الآب (يو 5 : 20و19 ، 7 : 18و16 … إلخ) ، "هذه الوصية قبلتها من أبي" (يو 10 : 18). وهكذا نرى فى كل الأناجيل نفس الشخص الواحد غير المتغير المملوء نعمة.

      ج – عدم إمكانية إدراك "فكرة اللوجس" : وهناك اعتراض آخر يهدف إلى إثبات أنه من السهل إدراك أن هذا الإنجيل لا يمكن أن يكون من عمل "رسول بسيط" ، وهو اعتراض يبدو قوياً فى ذاته ، وكذلك لأهمية الشخص الذى يثيره ، إذ يقول "ويزساكر" (فى كتابه : "العصر الرسولي") : إنها لمعضلة ، أن تلميذ الإنجيل المحبوب ، الذى جلس على المائدة بجوار يسوع، يمكن أن يبلغ إلى اعتبار أن كل اختباراته الماضية كانت حياة مع "كلمة الله المتجسد" . من المستحيل تصور أي قوة للإيمان والفلسفة تبلغ من العظمة حداً تختفي معه ذكريات حياة واقعية ، لتحل محلها تلك الصورة العجيبة لشخص سماوي . يمكن أن نفهم أن شخصاً مثل بولس – الذى لم يكن قد عرف يسوع ، ولم يتقابل معه كإنسان – يمكن أن يعترض على أقوال شهود العيان عن الشخص السماوي ، مما يجعله يستبدل الظهورات الأرضية ، بالمسيح الذى هو روح ، وأن الإيمان يجب أن يسمو به فوق الصورة الأرضية التى لم تكن سوى مجرد مرحلة ، ولكن هذا ما لا يمكن تصديقه عن رسول بسيط مثل يوحنا ، وهنا فصل الخطاب (الجزء الثاني –211 )) . ومن السهل أن نقول : "إن هذا ما لا يمكن تصديقه عن رسول بسيط" ، ومع هذا فإننا نعلم أن هذا الرسول البسيط قد آمن أن يسوع قد قام من الأموات وأنه ارتفع رباً ومخلصاً ، وأنه جلس عن يمين الله ، وأنه رب على الكل (أع 2 : 22-36) . وإن كنا نسلم بأن الكنيسة الأولي قد آمنت بهذه الأمور ، فليس من السهل أن نقول إن الخطوة التالية التى نجدها فى الإنجيل الرابع لا يمكن تصديقها . وفى الواقع إن اعتراض ويزساكر ليس موجهاً ضد الإنجيل الرابع ، بل هو موجه بنفس الدرجة ضد المسيحية بعامة ، فإذا كان المسيح هو هو كما تتحدث عنه الأناجيل الثلاثة الأولي ، وأنه هو هو كما كانت الكنيسة الأولي تعتقد فيه ، فإن المفهوم الأساسي للإنجيل الرابع يكون صادقاً مفهوماً . وإذا كانت المسيحية صحيحة ، فالإنجيل الرابع لا يضيف جديداً إلى صعوبة الإيمان ، بل بالحري يقدم أساساً ثابتاً لإيمان عقلاني.

      2-عقيدة اللوجس فى المقدمة : من المناسب هنا أن نتكلم بشيء من التفصيل عن عقيدة "اللوجس" نفسها وما تضفيه على صورة المسيح فى هذا الإنجيل . ومن الواضح أن أعظم اهتمامات كاتب الإنجيل الرابع كانت حياة السيد الشخصية ، كما عرفها عن قرب معرفة يقينية. كانت هذه الحياة التاريخية الحقيقية ، هى كل شيء بالنسبة له ، ففيها أمعن التفكير وأطال التأمل ، وقد جاهد ليجعل مضمونها حقيقة واقعة تزداد باستمرار وضوحاً أمامه هو أولا ، ثم أمام الآخرين أيضاً . وكيف يمكنه أن يجعل حقيقة تلك الحياة واضحة جلية للجميع ؟ وماذا كانت علاقة ذلك الشخص بالله وبالإنسان وبالعالم ؟ يحاول يوحنا فى مقدمته أن يبين من كان يسوع ، وماذا كانت صلته بالله وبالإنسان وبالعالم . هذا الشخص الحقيقي الذى عرفه وأحبه واحترمه ، كان أعظم وأكبر من الظاهر لعيني المشاهد العادي ، بل وأكثر مما كان ظاهراً لتلاميذه . كيف يمكن توضيح ذلك ؟ واضح من الإنجيل أن الشخص التاريخي يأتي أولاً ، ثم بعد ذلك تأتى محاولة توضيح حقيقة الشخص . وما المقدمة إلا محاولة التعبير بدقة عن مجد هذا الشخص . وعقيدة "اللوجس" لا تهبط كثوب من الخارج على الشخص التاريخي ، ولكنها محاولة لوصف ما بدأ يوحنا يدركه من الحقيقة الجوهرية لشخص يسوع . إن ما أمامنا هنا ليس مجرد نظرية فكرية ، وليس محاولة لاستنباط نظرية عن العالم أو عن الله ، ولكنها محاولة للتعبير بلغة مناسبة عما يراه الكاتب الحقيقة العظمي . وعلى هذا فلسنا فى حاجة إلى البحث عن تفسير لعقيدة "اللوجس" عند يوحنا فى فكر هيراقليتس ، أو فى نظريات الرواقيين ، أو حتى فى نظرية "اختيار الأفضل" عند فيلو . إن أفكار هؤلاء الناس أبعد ما تكون عن جو الإنجيل الرابع . لقد سعي هؤلاء وراء نظرية عن الكون ، أما يوحنا فقد سعي لتوضيح مضمون حياة شخصية تاريخية . وفى المقدمة يعطينا صورة لتلك الحياة ، ويختار كلمة ملأها بأقوى المعاني ، المعنى الذى احتوى أعمق تعاليم العهد القديم وأسمي أفكار معاصريه . وتعليم الرسول بولس فى الرسائل التى كتبها وهو فى السجن – بخاصة – تقترب جداً من تعليم الإنجيل الرابع ، ولذا فليس من الصواب أن نأتي بعقيدة "اللوجس" لتفسير الإنجيل الرابع وشرحه ، وأن ننظر إلى كل وقائع الإنجيل على أنها مجرد توضيحات لهذه العقيدة ، بل الصحيح هو عكس ذلك تماماً ، لأن عقيدة "اللوجس" ليس لها كيان أو واقع حي بعيداً عن الحياة الشخصية التى كانت ظاهرة أمام الرسول . فالمقدمة إنما تمثل ما وصل يوحنا إلى رؤيته عن حقيقة الشخصية التى عرفها تاريخيا ، وهو يقدمها بصورة جامعة مانعة – مرة واحدة – فى المقدمة ، ولا يشير إليها بعد ذلك مطلقا فى الإنجيل . ويمكننا أن نفهم تعليم "اللوجس" عندما ننظر إليه فى ضوء هذه الوقائع المسجلة فى الإنجيل ، تلك الوقائع التى أعانت القديس يوحنا على معاينة مجده ، ولا يمكننا أن نفهم هذه الوقائع إن كنا ننظر إليها فقط على أساس أنها إيضاحات نظرية فلسفية مجردة . وبالإيجاز ، إن الإنجيل الرابع إنجيل
      واقعي ، وليس إنجيلاً تجريدياً ، إنه ليس تطوراً لنظرية أو محاولة إثباتها ، ولكنه محاولة لرسم صورة لشخصية واقعية ، للتعبير بكلمات مناسبة عن دلالة تلك الشخصية كما أصبح يوحنا يراها.

      3-نمو الإيمان وتزايد عدم الإيمان : وكما هو الحال مع شخصية يسوع ، هكذا الأمر مع الزعم بعدم نمو إيمان التلاميذ ، فالفحص الدقيق يثبت أيضاً أن هذا الاعتراض لا أساس له .

      أ - الاعترافات المبكرة : وهنا يقولون إننا نعرف الخاتمة منذ البداية ، ففى الأصحاح الأول يطلق على يسوع مرتين اسم "المسيا" (يو 1 : 45و41) ، ويوصف مرتين بأنه "ابن الله" (1 : 49و34) ، ويشير إليه المعمدان فى هذه المرحلة المبكرة على أنه "حمل الله الذى يرفع خطية العالم" (1 : 29) ، كما يشيرون إلى حديثه مع نيقوديموس (يو 3 : 1-21) ، وإلى اعتراف السامريين (يو 4 : 42و41) ، وأحداث أخرى مشابهة ، لإثبات أنه فى هذه المرحلة المبكرة من خدمة الرب يسوع ، كانت مثل هذه الاعترافات غير محتملة ، بل بالحري مستحيلة. ولكننا نلاحظ أن هذه الاعترافات جاءت نتيجة إعلانات خاصة من يسوع للأشخاص الذين أدلوا بهذه الاعترافات ، وأن هذه الإعلانات هى التى هيأت الجو النفسي لهذه الاعترافات، وهذا واضح فى حالة نثنائيل . وليس الاعتراض على شهادة يوحنا المعمدان اعتراضا لا يمكن دحضه ، لأن المعمدان طبقاً لما هو وارد فى الأناجيل الثلاثة الأولي ، قد وجد الشهادة له فى الأصحاح الأربعين من إشعياء ، حيث وجد نفسه ، ووجد إرساليته ، فوصف نفسه كما نرى فى الإنجيل الرابع بالقول : "أنا صوت صارخ فى البرية ، قوَّموا طريق الرب كما قال إشعياء النبي" (يو 1 : 23 ، انظر أيضاً مت 3 : 3 ، مرقس 1 : 3و2)، كما نقرأ أيضاً "أما يوحنا فلما سمع فى السجن أعمال المسيح ، أرسل اثنين من تلاميذه ، وقال له أنت هو الآتي أم ننتظر آخر" (مت 11 : 3و2) ، فأجابه يسوع بما جاء فى الأصحاح الحادي والستين من إشعياء ، فقد كانت هذه فى نظر يسوع هى العلامات الحقيقية لملكوت المسيا . وهل هناك من سبب يمنعنا من القول بأنه كما وجد يوحنا المعمدان الشهادة له فى الأصحاح الأربعين من إشعياء ، وجد أيضاً طبيعة وعلامات الشخص الآتي فيما ورد عن العبد المتألم فى الأصحاح الثالث والخمسين ؟ وإن كان قد وجد ذلك ، فهل هناك ما هو أبسط من أن يصف الشخص الآتي بأنه "حمل الله الذى يرفع خطية العالم" ؟ وفى جواب يسوع على يوحنا ، يطلب منه أن يستمر فى قراءة تلك النبوة التى وجد فيها الكثير بالنسبة له .

      ب – نمو الإيمان عند التلاميذ : وبغض النظر عما يمكن أن يقال عن هذه الاعترافات المبكرة، يمكن القول بحق إن هناك علامات كثيرة لنمو الإيمان عند التلاميذ . وإذ نذكر جيداً حقيقة أن كل اعتراف من هذه الاعترافات – كما سبق القول – قد جاء نتيجة إعلان معين لمجد المسيح ، نستطيع أن نتقدم إلي الأجزاء التى تبين كم كان إيمان التلاميذ ناقصا . ويجب أن نذكر أيضاً أن يوحنا استخدم كلمة واحدة للتعبير عن كل درجات الإيمان ، من أقل درجة إلى الاقتناع القلبي الكامل والتسليم المطلق (ويمكن الرجوع إلى المعالجة الدقيقة الشاملة لمعاني الكلمة "الإيمان" التى أوردها أبوت فى كتابه : "مفردات يوحنا") . ويستخدم يوحنا فى الإنجيل الرابع صيغة الفعل لا الاسم ، وحينما تستخدم الكلمة فإنها تدل على التأثير الحادث سواء كان تأثيراً ضئيلاً وعابراً ، أو عميقاً وراسخاً . ونحن نرى خطوات متتابعة من القبول كلما كان التلاميذ يتقدمون إلى الإيمان الكامل والمطلق.

      وإذ نقرأ الإنجيل ، نجد أن يسوع قد اختبر وامتحن إيمان تلاميذه ، وجعل من أعماله ومن كلماته اختباراً للإيمان ودافعاً إلى نموه . ونتيجة لأقواله عن خبز الحياة ، قال الكثيرون من تلاميذه : "… إن هذا الكلام صعب . من يقدر أن يسمعه" (يو 6 : 60) ، وبسبب صعوبة كلامه "… رجع كثيرون من تلاميذه إلى الوراء ولم يعودوا يمشون معه" (6 : 66) ، وفى حديثه إلى الذين لم يذهبوا عنه ، نجد أن الصعوبة قد أصبحت أمامهم فرصة لإيمان أعظم (6 : 69و68) . إن أحداث ليلة تسليمه ، والأحاديث التى دارت فى تلك الليلة ، توضح مدى ضعف إيمان وثقة تلاميذه ، وكم كانوا بعيدين عن الفهم الكامل لقصد السيد ، ولم يبلغ إيمانهم درجة الكمال إلا بعد القيامة وفرحة رؤية ربهم المقام ، فى العلية.

      ج – الإعلان تدريجياً عن أنه المسيا ، وازدياد عدم الإيمان : وفى الجانب الآخر ، يوجد بكل وضوح تزايد فى عدم الإيمان ، من مجرد الشك العابر إلى عدم الإيمان بيسوع ورفضه تماماً.

      وجيد أن نلاحظ أن الاعترافات التى سبق أن أشرنا إليها ، جاءت من أفراد أُتيحت لهم فرصة الاتصال بيسوع اتصالاً خاصاً ، فهذا هو ما حدث مع نثنائيل ونيقوديموس والسامرية وشعب السامرة . ويضع الكاتب القراء فى هذه العلاقة الوثيقة حتى يؤمن كل من يقرأ . ولكن مثل هذه العلاقة الوثيقة بيسوع كانت من نصيب القلة . كما هو واضح فى هذا الإنجيل . وليس صحيحاً – كما سبق أن لاحظنا – أن يسوع فى هذا الإنجيل ، يبدو كمن يعلن نفسه بصورة قاطعة أنه المسيا ، إذ يوجد هنا شيء من التحفظ الموجود فى الإناجيل الثلاثة الأخرى ، فهو لم يؤكد دعواه ولكنه تركها للاستنتاج . إن إخوته يطلبون منه أن يثبت دعواه أمام الناس (يو 7 : 4و3) ، ونجد فى الأصحاح السابع حديثا عن الشكوك والأفكار التى حامت حوله ، فالناس يترددون ويتساءلون ويفكرون : هل هو إنسان صالح أم هو مخادع يضل الشعب ؟ (7 : 12) ، هل أرسله الله حقاً ؟ (7 : 14-30) . كل هذه إنما تثبت أن أفراداً معينين قد أُتيحت لهم هذه المعرفة الوثيقة به ، تلك المعرفة التى تؤدى بهم إلى قبوله والإيمان به . ونقرأ فى الأصحاح العاشر : "وكان عيد التجديد فى أورشليم ، وكان شتاء ، وكان يسوع يتمشي فى الهيكل فى رواق سليمان ، فاحتاط به اليهود وقالوا له إلى متى تعلق أنفسنا ؟ إن كنت أنت المسيح فقل لنا جهراً" (10: 22-24) . وكما يقول دكتور ساندى : "وواضح
      جيداً " أنه لم يكن أمام الشعب حديث محدد بدقة . لقد تُركوا ليستنتجوا بأنفسهم ، وقد وصلوا إلى ما وصلوا إليه بما كان لديهم من أقوال ، ولكن لم يكن هناك قول قاطع من يسوع نفسه بأنه المسيا أو بأنه ليس المسيا . ان مدى تزايد عدم الإيمان يقدمه البشير فى هذه الكلمات : "ومع أنه كان قد صنع أمامهم آيات هذا عددها لم يؤمنوا به" (يو 12 : 37) ، ومن الناحية الأخرى فإن ذروة الإيمان تظهر فى كلام الرب لتوما : "… لأنك رأيتني ياتوما آمنت . طوبي للذين آمنوا ولم يروا" (يو 20 : 29) .
      ولكن ان كان انجيلنا مكتوما فانما هو مكتوم في الهالكين -
      الذين فيهم اله هذا الدهر قد اعمى اذهان غير المؤمنين
      لئلا تضيء لهم انارة انجيل مجد المسيح الذي هو صورة الله .
      (2 كورنثوس 4: 3 - 4)
      للمراسلة
      sayNewMan@yahoo.com
      المدونة
      http://www.newman-in-christ.blgospot.com

      تعليق


      • #18
        مشاركة: لماذا اربعة اناجيل ؟؟؟؟

        يعنى يا سيد نيومان , انت أصبتنى بأحباط ..
        ظللت منتظر كل هذا , وأتيت تكلمنى عن أنجيل مرقس ولوقا ويوحنا !
        ما علاقة هذا بموضوعنا !

        والله انت تضعنى فى حيرة من أمرى .

        أتمنى ان توضح لى ما علاقة ما ذكرت بموضوعنا اللهم , مشراكتك الاولى .

        وهل حضرتك لديك ما ستطرحه , اما ابتدى فى صياغة الرد :winkiss:

        تعليق


        • #19
          مشاركة: لماذا اربعة اناجيل ؟؟؟؟

          عزيزي بهاء

          لقد وضعت ردا مبدئيا وانتظرت قدومك ولكنك تأخرت

          فاكملت الموضوع وذلك للرد على موضوع الاخ الجديد ( اسمه الطود )

          يمكنك ان تضع ما تريده ونحن على استعداد لمناقشة ارائك كلها

          مع التحية
          ولكن ان كان انجيلنا مكتوما فانما هو مكتوم في الهالكين -
          الذين فيهم اله هذا الدهر قد اعمى اذهان غير المؤمنين
          لئلا تضيء لهم انارة انجيل مجد المسيح الذي هو صورة الله .
          (2 كورنثوس 4: 3 - 4)
          للمراسلة
          sayNewMan@yahoo.com
          المدونة
          http://www.newman-in-christ.blgospot.com

          تعليق


          • #20
            مشاركة: لماذا اربعة اناجيل ؟؟؟؟

            لا حول ولا قوة ألا بالله .
            يعنى أنا لا أعرف كيف تريد منى ان أنزل رد , وانت كنت كاتب فى أول مشاركة يتابع .

            يا سيد نيومان انا لو غادرت , سأخبرك ... صدقنى ليس لدى مشكلة ان أقول فى شئ الله أعلم .

            وعلى هذا , ان شاء الله سأعمل على تجهيز ردى على الجزئية التى طرحتها حضرتك ..
            وشكرآ

            تعليق


            • #21
              لماذا يوجد اربعة أناجيل ؟

              لماذا يوجد اربعة أناجيل ؟



              يحتوى الكتاب المقدس الذى بين أيدينا على جزئين: العهد القديم، والعهد الجديد0 وأن كان هناك فرق بين الكتابين فى حجمهما وفى زمن كتابتهما وفى أصل لغتهما، فأنه لا يوجد فرق فى مضمونها فكتاب العهد القديم كلمة الله بواسطة الأنبياء وكتاب العهد الجديد كلمة الله بواسطة يسوع المسيح ابن الله ورسله كما قال كاتب الرسالة إلى العبرانيين فى مستهل رسالته: "الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطرق كثيرة، كلمنا فيه هذه الأيام الأخيرة فىابنه الذى جعله وارثاً لكل شئ"

              وبناء عليه ندعو الكتاب بجزئيه الكتاب المقدس0 نترك العهد القديم ونتجه للحديث عن العهد الجديد، وإذا تصفحنا العهد الجديد نجد انه يبدأ بأناجيل أربعة هى بحسب ترتيبها: متى، مرقس، لوقا يوحنا وكلمة إنجيل كلمة أصلها يونانى، وتعنى الرسالة المفرحة أو البشارة المفرحة لذا يمكنا أن نضع كلمة بشارة قبل اسم كل إنجيل منهم فمثلاً نقول بشترة متى، وبشارة لوقا00 وهكذا0 والإنجيل بشارة مفرحة لأنه يحتوى على الخبر السار الذى جاءت به الملائكة من السماء ليلة ولادة يسوع مخبرة رعاة كانوا يسهرون على رعيتهم، تخبرهم عن مولد يسوع0 وقالت لهم الملائكة "ها أنا ابشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب، انه ولد لكم اليوم فى مدينة داود مخلص هو المسيح الرب" فالبشارة إذا هى ولادة المخلص يسوع المسيح فى عالم يتوق إلى الخلاص وينتظر الانعتاق من الخطيئة والموت الابدى0 هذه هى البشارة والخبر الواحد المفرح0 ولكن

              عندما نقول إنجيل متى، وإنجيل مرقس فنعنى بذلك انه الإنجيل الذى كتبه متى والإنجيل الذى كتبه مرقس والإنجيل الذى كتبه لوقا والإنجيل الذى كتبه يوحنا فمن هم هؤلاء الكتاب؟ كان اثنان منهم أى متى ويوحنا تلاميذ يسوع أى اتبعوه أثناء خدمته على هذه الأرض، أى قبل موته وقيامته أما مرقس ولوقا فقد أصبحا من تلاميذ يسوع بعد قيامته من بين الأموات وقد شاءت إرادة الله وحكمته الأزلية أن يختار أربعة أشخاص من اماكن متفرقة وأصحاب مهن ووظائف مختلفة ويوليهم ثقته، ليشهدوا بروح واحدة عن ابنه يسوع المسيح وتعاليمه السامية ويكتبوا بإرشاد الروح القدس ووحيه ما سمعوه بآذانهم وما رأوه بأم أعينهم متى كان موظفاً فى الحكومة الرومانية يجمع الضرائب، ومرقس كان جلاً بسيطاً من اهالى المدينة المقدسة أورشليم، ويوحنا كان صياداً للسمك، ولوقا طبيباً وهو الذى كتب سفر أعمال الرسل أيضاً وقد كتب كل واحد بأسلوبه الخاص وبلغته الخاصة وبيتعبيره الخاص، ما أوحى لهم الله بإرشاد من الروح القدس أن يكتبوا0 وتوسع متى بذكر أقوال يسوع المسيح، واهتم مرقس بسرد آياته وعجائبه، وعالج لوقا موضوع يسوع مخلص العالم أما

              يوحنا فقد تعمق فى لاهوت المسيح وقد يتبادر إلى الذهن أن هناك تناقضاً بين الأناجيل الأربعة، إلا أن الواقع هو بخلاف ذلك، ولنوضح هذا بمثل عن ثمة زائر إى مدينة سنغافورة يرغب فى مشاهدى كاتدرائية القديس اندراوس، ولجهله موقعها يسأل شرطياً فييجيبه ذاك بدون تردد: أنها تقع فى شارع ستامفورد ثم يسأل أيضاً شخصاً آخر فيقول له: انها تقع فى شارع أندراوس ويستوضح، وقد أشكل عليه، شخصاً ثالثاً فيرشده إلى أنها تقع فى شارع نورث بريدج واحتار فى أمره حين أعلمه شخص رابع أنها فى شارع كولمان ولكى يحل مشكلته استقل سيارة تاكسى يريد بها المكان المطلوب وكم كانت دهشته عظيمة حين وجد أن كلا من الرجال الأربعة قد أخبره الحقيقة الناصعة فالكاتدرائية تشغل قطعة أرض مربعى مخاطة بأربعة شوارع وهكذا عرف الزائر أن سائق السيارة قد أوصله إلى حيث يقصد فهناك اعتبارات أربع تؤكد له موقع الكاتدرائية الصحيح هناك مميزات خاصة بكل من البشائر الأربعة: إنجيل متى يتضح منه محاولة متى الربط بين يسوع والنبوات الواردة عنه فى العهد القديم0 ويحاول متى أن يبرهن أن يسوع هو المسيا ولكى يفعل يستخدم وسائل مختلف فهو يذكر تفاصيل مختلفة عن الحياة فى المجتمع اليهودى فى عصره بشارة مرقس كتبت من روما للأمم أى

              لغير اليهود يمكنا ملاحظة هذا إذا نظرنا إلى العادات الخاصة بفلسطين فى ذلك الوقت وكيف أن مرقس كان يشرحها ويوضحها ومرقس يحكى عن أعمال يسوع أكثر مما يحكى عن تعليمه لوقا يوضح من خلال البشارة التى تحمل إسمه رسالة يسوع وكيف أنها لا تخص شعب معين ولكن هى أخبار سارة لكل الشعوب لاحظ رسالة الملائكة فى إنجيل (لوقا 2: 14) "المجد لله فى الأعالى وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة" وقول سمعان الشيخ عن يسوع فى (لوقا 2: 32) إنه نور إعلان للمم ويظهر لوقا اهتمامه بمختلف الشخصيات مثل زكريا الكاهن المتقدم فى السن، واليصابات زوجته، وزكا جابى الضرائب القصير القامة الخ ويذكر لوقا أيضاً نساء وأطفال لا تتحدث عنهم الأناجيل الأخرى أما يوحنا فيتحدث للمؤمنين ولغير المؤمنين وقد اختار يوحنا بعض المعجزات لاقناع القراء بألوهية المسيح0 ويظهر فى كتاباته بأنه شاهد عيان لما يكتب، ومعرفته لحياة وعادات اليهود فى الفترة السابقة لسقوط أرشليم
              الله في وسطها فلن تتزعزع

              تعليق

              من قاموا بقراءة الموضوع

              تقليص

              الأعضاء اللذين قرأوا هذا الموضوع: 0

                معلومات المنتدى

                تقليص

                من يتصفحون هذا الموضوع

                يوجد حاليا 1 شخص يتصفح هذا الموضوع. (0 عضو و 1 زائر)

                  يعمل...
                  X